الأمير أسامة بن منقذ

117

لباب الآداب

الناس ، وخرج أمر أمير المؤمنين بالشّدّ عليه في المطالبة ، وتوعّده من ضرب السّياط بما يتلف نفسه - : ما أطار عقله ، وأذهل لبّه ، وأدهشه عن الاضطراب في الخلاص « 1 » ، والاحتيال فيما عليه ، مع قدرته على ذلك . فان رأى أمير المؤمنين أن يشفّعني فيه ببعض ما عليه ، فهي صنيعة يجددها عندي ويحرس بها قديم إحسانه ، ويضاعف وجوب الشّكر بها ، والاعتداد بسبوغ النّعمة فيها « 2 » . ولم يزل يتلطّف إلى حطّه النّصف مما عليه ، واقتصر منه على عشرين ألف دينار . فقال غسّان : على أن يجدّد أمير المؤمنين عليه الضمان ، ويشرّفه بخلع تقوّي « 3 » نفسه ، وترهف عزمه ، ويعرف بها مكان الرّضى عنه . فأجابه المأمون إلى ذلك . فقال : فيأذن لي أمير المؤمنين في حمل الدواة إلى حضرته ، ليوقع بما رآه من هذا الإنعام ، فيبقى شرف حملها عليّ وعلى عقبي من بعدي ؟ فقال : افعل . فحمل الدواة إلى بين يديه ، فوقّع له المأمون بما التمس ، وخرج عليّ بن عيسى بالخلع والتوقيع بيده . فلما حصل في داره حمل من المال عشرين ألف دينار ، وأعاد ما بقي على غسان ، وشكره على جميله . فقال غسّان ، لكاتب عليّ بن عيسى : كأنّنى شفعت إلى أمير المؤمنين ليعيد إليّ المال ؟ ! لم استحطّه « 4 » ذلك إلّا ليتوفّر عليه وينتفع به ، وليس يعود إلى منزلي منه شيء أبدا . وأعاد المال عليه . فكان ذلك سبب صلاح ما بينهما ، وعرف عليّ بن عيسى قدر ما فعله معه غسّان ، ولم يزل يحدّث به إلى آخر عمره .

--> ( 1 ) الاضطراب : الحركة . ( 2 ) سبغت النعمة : اتسعت ، وبابه « دخل » ( 3 ) في الأصل « يقوى » ( 4 ) ضبطت في الأصل بضم الطاء .